514. Ничтожная дунья!

514. Ничтожная дунья!

 

هذا الحديث رواه الترمذي (2465) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ   .

ورواه ابن ماجه (4105) من حديث زَيْد بْن ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:   مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ   .

وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (2 / 634).

وقوله:   وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ  ، وفي الرواية الثانية إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ  ، معناها أن الحرص المذموم على الدنيا لا يزيد صاحبه نفعا؛ لأن رزقه قد قدر وكتب، فلا يأتيه إلا هذا المقدار المكتوب له ، مهما أتعب نفسه من أجل الدنيا ، فعلى الإنسان العاقل أن يكتفي بطلب الدنيا بطريق مشروع من غير حرص زائد.

قال السندي في حاشيته على ابن ماجه :

«(وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ: مَقْهُورَةٌ .

فَالْحَاصِلُ : أَنَّ مَا كُتِبَ لِلْعَبْدِ مِنَ الرِّزْقِ : يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ يَأْتِيهِ بِلَا تَعَبٍ ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا يَأْتِيهِ بِتَعَبٍ وَشِدَّةٍ، فَطَالِبُ الْآخِرَةِ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ جِمْعِ الْمَالِ : الرَّاحَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَقَدْ حَصَلَتْ لِطَالِبِ الْآخِرَةِ ، وَطَالِبُ الدُّنْيَا قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ؛ لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا فِي التَّعَبِ الشَّدِيدِ فِي طَلَبِهَا ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لَهُ فِي الْمَالِ إِذَا فَاتَتِ الرَّاحَةُ؟!» انتهى .

وقال المباركفوري رحمه الله تعالى:

» ( وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ) أي وهو راغم، فلا يأتيه ما يطلب من الزيادة ؛ على رغم أنفه وأنف أصحابه » انتهى من «تحفة الأحوذي» (7 / 140).

وقال الطيبي رحمه الله تعالى:

» وقوله: ( وأتته الدنيا وهي راغمة ) مقابل لقوله: ( ولا يأتيه منها إلا ما كتب له ) .

فيكون معنى الأول: وأتاه ما كتب له من الدنيا ، وهي راغمة.

ومعنى الثاني: وأتاه ما كتب له من الدنيا ؛ وهو راغم » .

انتهى من «شرح مشكاة المصابيح» (11 / 3372).

ويتضح هذا بحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ  رواه ابن ماجه (2144)، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (6 / 209).

ومعنى :  وأجملوا في الطلب  : أي : اطلبوا الرزق طلبا رفيقًا ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المراد بذلك ، بأن يأخذ الإنسان ما حل ، ويدع ما حرم .

انظر : «فيض القدير» (3/207) .

والله أعلم.

 

حقيقة الدنيا

في القرآن والسنة

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 32].

قال ابن كثير: (أي إنما غالبها كذلك).

 

وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].

قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي الحياة الدائمة الحق التي لا زوال لها ولا انقضاء بل هي مستمرة أبد الآباد).

 

وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26].

 

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131].

قال ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد ( أزواجاً منهم) يعني الأغنياء، فقد آتاك خيراً مما آتاهم).

 

ويقول تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

 

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [يونس: 24].

 

وقال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: 45- 46].

 

وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية والناس كنفتيه فمرَّ بجدي أسكَّ ميِّتٍ، فتناوله بأذنه ثم قال: ( أيّكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ ). فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به ؟ قال: ( أتحبون أنه لكم؟).

 

قالوا: والله لو كان حيَّاً لكان عيباً فيه، لأنه أسكَّ، فكيف وهو ميِّتٍ؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم » رواه مسلم. (كنفتيه: جانبيه، أسك: صغير الأذن).

 

• وعن الضّحاك بن سفيان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا ضحاك ما طعامك؟ ) قال: يا رسول الله، اللحم واللبن. قال: ( ثم يصير إلى ماذا ؟). قال: إلى ما قد علمت. قال: ( فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا) رواه أحمد وصححه الألباني.

 

• وعن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه، فانظر إلى ما يصير) رواه عبدالله بن أحمد وابن حبان وصححه الألباني. (قزحه: وضع فيه التابل، وملحه: وضع الملح).

 

• وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل، كانت في النساء ) رواه مسلم.

 

• وعن عبدالله قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ( مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.

 

• وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

 

• وعن مسهر بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.

 

• وفي صحيح مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليّم فلينظر بما يرجع).

 

• وعن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الدنيا ملعونة ملعون من فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وحسنه الألباني.

 

• وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حقٌّ على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه) رواه البخاري.

 

• وعن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) رواه مسلم.

 

• وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.

 

• وعن عبيد الله الخطمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

• وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لست من الدنيا وليست مني، إني بُعثت والساعة تستبق) رواه الضياء المقدسي وصححه الألباني.

 

فأنت تلاحظ هنا في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أن الدنيا موصوفة بأنها لهو ولعب وأنها لا تساوي شيئاً عند الله وهي لا قيمة لها في الآخرة وهي مذمومة في جميع أحوالها إلا ما كان لله، وأنها كلها متاع، وهي عرض زائل وزمنها قصير جداً لا يُمكّن المرء من قضاء حاجاته فيها، والمؤمن لا يركن لها لأنها سجنه وإنما يُطلق من سجنه ويُفك أسره بموته إذا قدم على ربه، نسأل الله عز وجل ألا يحرمنا الجنة؛ ولو كانت الدنيا تعدل عند الله شيئاً ذا قيمة لوهبها الصالحين من عباده ولكنه عز وجل ادخر لهم كرامته كما في حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أحب الله عز وجل عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

فإذا علم الموفق أن عباد الله الصالحين الذين يُحبهم قد أكرمهم بحجب الدنيا وزهرتها عنهم ونزههم عن فتنتها وأخلصهم له ولعبادته وادّخر لهم كرامته عنده يوم يلقونه بقلوب مطمئنة ونفوسٍ راضيةٍ بما قدره ربهم الرحيم بهم جلّت قدرته وتعالت حكمته ؛ فكيف يأسى بعد ذلك إنسانٌ عاقلٌ على ما يفوته من حطام الدنيا وزخارفها الزائلة عمّا قريب.

 

قال أبو عبدالله النباجيّ: (إذا كان عندك ما أعطى الله عز وجل نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً لا تراه شيئاً، وإنما تريد ما أعطى الله نمرود وفرعون وهامان فمتى تفلح)[1].


[1] صفة الصفوة في ترجمة أبي عبدالله النباجيّ.

 

 

أحاديث مُختارة تزهِّد في الدُّنيا

وترغِّب في الآخرة

 

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البور.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إلى صراطه المستقيم.

 

أما بعد:

فاتقوا الله، فالتقوى هي الكنز الأوفى، والدرع الأقوى.

 

أيها المسلمون: يقول الله جل في علاه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56)، وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام، فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (يونس: 24).

فحق على المكلف أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولي النهى والأبصار، فالسلف الدنيا عندهم وسيلة لا غاية، والأصل العمل للآخرة، ﴿ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ (القصص: 77)، الحياة عبادة وطاعة، والسلف دنياهم بأيديهم، لا في قلوبهم، بخلاف زمننا ممن اتخذ الدنيا غاية، ودخلت قلبه وتمكنت في كل زاوية، فإليكم مواقف وعبر، ونماذج وصور، تبين حقيقة الدنيا، وما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأوفياء، وأنها لا تزن عند الله شيئًا، فهم أكرم الخلق، فنأخذ الدروس والفوائد، ونستعد بالعمل والأوابد، وهي أحاديث مختارة تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وهي الحلقة الثانية، ومضت الحلقة الأولى في الجمعة الماضية:

عن عائشة – رضي الله عنها — قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض. وفي رواية: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا. وعن عروة عن عائشة أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قلت: يا خالة: فما كان يعيشكم؟. قالت: الأسودان: التمر والماء.

 

وعن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة – رضي الله عنه -: أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير.

 

وعن أنس – رضي الله عنه — قال: لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات.

 

وعن النعمان بن بشير – رضي الله عنه — قال: لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدَّقَل ما يملًا بطنه. والدَّقَل تمر رديء.

 

وعن سهل بن سعد – رضي الله عنه — قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه حتى قبضه. فقيل له: هل كان لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل؟. قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلًا من حين ابتعثه حتى قبضه. فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟. قال: كنا نطحنه، وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه.

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه — قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر –رضي الله عنهما-، فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟)، قالا: الجوع يا رسول الله. قال: (وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما)، فقاما معه، فأتى رجلًا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحبًا وأهلًا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين فلان؟)، قالت: ذهب يستعذب لنا الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني. فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا. وأخذ المُدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب)، فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم).

 

وعن خالد بن عمرو العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد،. فإن الدنيا آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتجرت بنصفها، واتجر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الله صغيرًا.

 

وعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه — قال: أخرجت لنا عائشة – رضي الله عنها — كساء وإزارًا غليظًا، فقالت: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين.

 

وعن سعد بن أبي وقاص قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحُبَلَة، وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما له خلْط. متفق عليه.

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه — قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني، وعرف منا بوجهي وما في نفسي، ثم قال: (يا أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: (الحق)، ومضى، فاتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخلت، فوجد لبنًا في قدح، فقال: (من أين هذا اللبن؟)، قالوا: أهداك لك فلان أو فلانة. قال: (أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: (الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي)، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟… الحديث.

 

وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشيًا عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، وما بي إلا الجوع.

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه — قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، ومنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته.

 

وعن ابن عمر قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل من الأنصار… فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، نمشي في تلك السباخ، حتى جئنا، فاستأخر قومه من حوله، حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه.

 

فاللهم: لك الحمد على نعمك المتكاثرة، وآلائك المتناثرة، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ (لقمان: 20).

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

ومن المواقف المزهرة، والصور المشرقة:

ما جاء عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. فقيل: كيف كنتم تصنعون بها؟. قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخَبَط ثم نبله فنأكله… الحديث.

 

ومن النماذج الحية في حالة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه:

ما جاء عن جابر، قال: إن كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب، فعاد كثيبًا أهيل، فقلت: يا رسول الله: ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟. قالت: عندي شعير، وعناق. فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم بالبُرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبُرمة بين الأثافي قد كادت تنضج، فقلت: طُعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. فقال: (كم هو؟)، فذكرت له، فقال: (كثير طيب، قل لها: لا تنزع البُرمة ولا الخبز من التنور حتى آتيك)، فقال: (قوموا)، فقام المهاجرون والأنصار، فدخلت عليها فقلت: ويحك! جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟. قلت: نعم. قال: (ادخلوا، ولا تضاغطوا)، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البُرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه.

 

وفي رواية: لما حُفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا. فأخرجت إليّ جرابًا فيه صاع من شعير، ولها بُهيمة داجن، فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغتْ إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه. فجئت فساررته، فقلت: يا رسول الله: ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنا صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أهل الخندق: إن جابرًا قد صنع سورًا، فحي هلًا بكم)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء)، فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك، ثم قال: (ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها)، وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليُخبز كما هو.

 

واسمع إلى هذه القصة وما فيها من الزهد والبركة:

فعن أنس – رضي الله عنه — قال: قال أبو طلحة لأم سُليم: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا، أعرف فيه من الجوع، فهل عندك من شيء؟. فقالت: نعم. فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخذت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرسلك أبو طلحة؟)، فقلت: نعم. فقال: (أللطعام؟)، فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا)، فانطلقوا، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم: قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلمي ما عندك يا أم سُليم)، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتّ، وعصرت عليه أم سُليم عُكة فآدمته، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلًا، أو ثمانون رجلًا.

 

وفي رواية: فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل، فأكل حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها.

 

وفي رواية: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فوجدته جالسًا وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟. فقالوا: من الجوع. فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سُليم، فقلت: يا أبتاه: قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة مع أمي، فقال: هل من شيء. قالت: نعم، عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قلّ عنهم… وذكر تمام الحديث.

والله أعلم

 

Оставить ответ

Ваш адрес email не будет опубликован. Обязательные поля помечены *